أبي منصور الماتريدي
636
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الله وأتوب إليه » . وهذا لأن « سبحان الله » حرف جامع يجمع جميع ما يستحق من الثناء عليه ، والوصف له بالعلو والعظمة والجلال ، والتنزيه عن جميع العيوب والآفات ، وعن جميع معاني الخلق ، جعل لهم هذا الحرف الجامع ؛ لما عرف عجزهم عن القيام بالوصف بجميع ما يستحق من الثناء عليه . وكذلك حرف « الحمد لله » ، هو حرف جامع يجمع شكر جميع ما أنعم الله عليهم ، جعل لهم ذلك ؛ لما عرف من عجزهم ، وقلة شكر ما أنعم عليهم واحدا بعد واحد . وعلى ذلك يخرج قوله : « اللهم صل على محمد » ، أمرهم أن يجعلوا الصلاة على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ الأحزاب : 56 ] ولما لم يجعل في وسعهم القيام بما يستحقه أمروا أن يقولوا : « اللهم صل على محمد » ؛ ليكون هو المتولي ذلك بنفسه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاسْتَغْفِرْهُ : قال أبو بكر الأصم : دل قوله - عزّ وجل - : وَاسْتَغْفِرْهُ على أن كان منه تقصير وتفريط في أمره حتى أمره بالاستغفار عن ذلك . لكن هذا كلام وحش ؛ لا يصف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بالتقصير في شيء ، ولا بالتفريط في أمر قط ، ولكن قد جعل الله - تعالى - على كل أحد من نعمه وفضله وإحسانه في طرفة عين ولحظة بصر ما ليس في وسعه وطاقته القيام بشكر واحد منها ، وإن لطف ، وإن طال عمره ؛ فأمره بالاستغفار ؛ لما يتوهم منه التقصير في أداء شكر نعمه عن القيام بذلك . أو أن يكون لأمته لا لنفسه . فإن قال قائل : ما معنى أمره بالاستغفار ، وقد ذكر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ فالجواب عنه من وجهين : أحدهما : أنه يجوز أن يكون أمر بالاستغفار لأمته ، نحو قوله - تعالى - : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ محمد : 19 ] . أو أن يكون الله - تعالى - وعد له المغفرة إذا لزم الاستغفار ، ودام عليه . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً : أي : كان لم يزل توابا ، ليس أن صار توابا بأمر اكتسبه وأحدثه ، على ما تقول المعتزلة : إنه صار توابا .